عباس محمود العقاد
205
أبو الشهداء الحسين بن علي ( ع )
والحوادث التي تلت حركة الحسين إلى ختام عهد يزيد أدلّ ممّا تقدّم على اضطراب عهده وقلّة ضمانه ؛ لأنّ الأحداث والنذر لم تزل تتوالى بقيّة حياته وبعد موته بسنين . ونحن اليوم نعلم من التأريخ كيف انتهت هذه الحوادث والنذر في عهد يزيد أو بعد عهده ، فيخيّل إلينا أنّ عواقبها لم تكن تحتمل الشكّ ولم يكن بها من خفاء . ولكن الذين استقبلوها كانوا خلقاء ألّا يروا فيها طوالع ملك تعنو له الرؤوس « 1 » ويرجى له طول البقاء . بواعث الخروج نعم ، كانت هناك ندحة « 2 » عن الخروج لو كان يزيد في الخلافة رضى المسلمين من العقل والخلق وسلامة التدبير وعزّة الموئل « 3 » والدولة ، وكان المسلمون قد توافوا على اختياره لحبّهم إياه وتعظيمهم لعقله وخلقه واطمئنانهم إلى سياسته واعتمادهم على صلاحه وإصلاحه . ولكنّه على نقيض ذلك ، كان - كما علمنا - رجلا هازلا في أحوج الدول إلى الجدّ ، لا يرجى له صلاح ولا يرجى منه إصلاح . وكان اختياره لولاية العهد مساومة مكشوفة قبض كلّ مساهم فيها ثمن رضاه ومعونته جهرة وعلانية من المال أو الولاية أو المصانعة ، ولو قبضوا مثل هذا الثمن
--> ( 1 ) تعنو له الرؤوس ، أي : تخضع وتذلّل له . ( العين للفراهيدي 2 : 252 ) . ( 2 ) ندحة : سعة . ( صحاح اللغة 1 : 409 ) . ( 3 ) الموئل : الملجأ . ( المصدر السابق 5 : 1838 ) .